علميني الحب

كان هذا الرجل يعمل ساعيًا في أحد المكاتب الحكومية ويعيش مع زوجته وأطفاله في حياة فقيرة جدًا. كان له ثلاث بنات في سن الطفولة المبكرة، ورغم سوء حالته المالية كان مصرًا على استكمال إنجاب الأطفال، لأنه كان يتمنى أن يكون له ولد يحمل اسمه ويكون سندًا له. أنجبت الزوجة الطفلة الرابعة، ثم أنجبت الطفل الخامس فاستراح الأب، ولكن حالة الفقر تزداد على هذه الأسرة المسكينة، فكانوا يجدون قوتهم الضروري بصعوبة.

نما هذا الطفل في هذا الجو الصعب، ولما كبر وصار فتى استاء جدًا من الفقر الذي يعانون منه. وإذ لم يكن للأسرة علاقة قوية مع الله تذمر الإبن على الله ونسب له كل ما يعانون منه من متاعب، بل قرر أن يقاطعه لأنه سبب كل المصائب التي يعيشون فيها.

دبَّت روح الانتقام داخل الفتى من المجتمع ومن الله وحاول إثبات وجوده بأن يصير رجلاً غنيًا بأي شكل وبأي وسيلة.

بدأ يعمل بعض الأعمال الصغيرة ليجد قوته اليومي واشتغل في أكثر من عمل، إستغرق ذلك ساعات الليل والنهار ليحصل على أكبر مقدار من المال، مما ساعد على تحسين حالة الأسرة ماديًا، فوفر لها القوت الضروري.

وصل أن يعمل بائعًا في أحد محلات بيع الملابس، وبذل جهدًا كبيرًا واستباح لنفسه الطرق المشروعة وغير المشروعة ليحصل على المال، حتى استطاع في النهاية أن يشارك إثنين من أصدقائه وافتتح محلاً جديدًا باسمه.

بدأ العمل يتسع وينجح وكان راغبًا في نفسه أن يستقل في أقرب وقت ويكون له محله الخاص بلا شريك لأنه لا يثق في أحد إذ كان يكره المجتمع والناس والله نفسه.

إستطاع بعد فترة أن يفض الشركة بينه وبين شركائه وأن يفتتح محلاً خاصًا به. وبذل كل الجهد حتى نجح كمحل لبيع الملابس الجاهزة، وأصبح له أموالاً رفع بها مستوى أسرته، بل استطاع على مر السنوات أن يزوج أخواته الأربع، ولكنه كان يختار هؤلاء الأزواج ممن يحتاجون إليه أو يعملون عنده، أو يخضعون له بشكل أو بآخر، مستخدمًا سلطانه المادي. وهكذا شعر أنه قد نجح في تحسين مستوى بيته الأصلي وافتتح أربعة بيوت جديدة لأخواته الأربع، وهو المسيطر عليها بأمواله التي يساعدهم بها، كل هذا لإثبات قوته.

شعر أنه غير محتاج لله ولا المجتمع والناس، بل أصبح فوق كل هؤلاء بقوته المالية ونجاحه المتزايد في العمل، ثم إثباتًا لوجوده أيضًا قرر الزواج مثل باقي الناس، فاختار إنسانة جميلة وفقيرة لتكون خاضعة له وتزيد البيوت التي يسيطر عليها ويعلن فيها قوته.

كانت الزوجة هادئة محبة لله، أما هو فكان سريع الغضب كثير الأوامر مسيطر في كل شئ، يغضب لأقل شئ يختلف مع إرادته أو مزاجه، ويعبر عن غضبه بالشتائم والضرب، أما زوجته المسكينة فكانت تصمت وتصلي وتنساب دموعها في هدوء، أما هو فكان لا يبالي بدموعها أو صلواتها التي تتمتع بها ويستهزئ بها عندما تذهب إلى الكنيسة، أو تقرأ في الكتاب المقدس أو تقف للصلاة.

إستمر نجاح هذا الرجل واتسعت تجارته واتسعت أيضًا سيطرته على كل من حوله الذين احتملوه، لأنه أقوى شخصية منهم وهو الذي يساعدهم ماديًا في حياتهم، واستمرت معاملته السيئة لزوجته المسكينة. ولكنه كان يلاحظ في عينيها نظرة حب وحنان عليه، خاصة عندما يصاب بأي مرض خفيف، أو يكون مجهدًا جسمانيًا أو متضايقًا لأي سبب، وكان يتعجب من حبها هذا العجيب، لأنه كان يعلم أنه قاسٍ جدًا في تصرفاته معها وأنه لا يمكن أن يحتمله أحد، ولو كان مكانها لكان قد انتقم من هذا الزوج العنيف القاسي القلب، لكنه لم يستطع أن يغير نفسه، إذ كان يشعر ان قساوة القلب هي التي تحميه من هذا المجتمع القاسي ومن الله الجبار الذي يذل الناس، فاستمر في تصرفاته القاسية وإن كان داخليًا لا يستطيع أن ينكر أنه أمام إمرأة عظيمة في حبها، وأنه لا يستطيع أن يصل إلى هذا الحب.

مرَّت السنوات على زواجه حتى بلغت العشر سنوات ولم ينجب أطفالاً، فاضطر أخيرًا أن يتجه إلى أحد الأطباء ليعرف السبب، لأن كرامته تمنعه من أن يكشف على نفسه، واكتشف أنه – طبيًا – غير قادر على الإنجاب، في حين أنه بالكشف على زوجته وُجِدَت سليمة تمامًا.

عاد إلى بيته وهو منتظر من زوجته روح التذمر عليه، لأنه السبب في حرمانها من الأطفال، لكنه فوجئ على العكس بابتسامتها وتشجيعها له، وقالت له رغم أن الطب يقول أن احتمال الإنجاب ضئيل جدًا ولكن الله قادر على كل شئ ويستطيع أن يساعدنا ويعطينا أبناء.

تأثر من محبة زوجته ولكنه اضطرب في داخله، لأنه إحتاج إلى الله الذي هرب منه طوال هذه السنين وظن أنه انتصر عليه بتحقيقه هذا النجاح المادي ولكنه محتاج إليه الآن، لأنه مشتاق أن يكون له ابن أو ابنة.

حاول أن يعوض زوجته، التي شعر أنها مسكينة ومظلومة واحتملت قسوته عشر سنوات ومازالت تحبه، حتى بعد أن عرفت أنه السبب في حرمانها من الأطفال، وازدادت مكانتها في قلبه وبدأ يحبها، بل شعر أنه لا يستحقها إذ داخلها سر لم يستطع أن يصل إليه وهو كيف تحبه وتخلص له رغم قسوته، وكيف أنها تتمتع بفرح دائم يظهر في نظراتها وتصرفاتها؟ أما هو فرغم كل ما استطاع أن يحققه من نجاحات مازال يشعر بالحزن والضيق وروح الانتقام من الكل، إلا هذه المرأة التي أَسَرَته بحبها.

بدأ يأخذ زوجته للتنزه في أماكن مختلفة وشعر بنظرات الحب تزداد نحوه، بل وكلمات الشكر أيضًا من زوجته لأنه يهتم بها، مما علق قلبه بها أكثر وأكثر، ولكنه مازال متباعدًا عن الله، لا يريد أن يطلب منه شيئًا أو يخضع له.

قالت له الزوجة في أحد الأيام: “أنا أريد أن أدعوك إلى مكان لطيف كما أخذتني للتنزه في أماكن كثيرة”. فوافق الزوج الذي بدأ يميل للتواجد مع زوجته قدر ما يستطيع ليتمتع بحبها الجميل.

ذهبت الزوجة مع زوجها إلى أحد ملاجئ الطفال، وفور دخولها إلى الملجأ إلتفَّ كل الأطفال حولها يحتضنونها ويقبلونها وينادونها “يا ماما”، أما هي فقالت لهم وهي تشير إلى زوجها: “هذا هو بابا الذي كان يرسل لكم الهدايا دائمًا”. فالتف الأطفال حوله يحتضنونه، أما هو فكان في ذهول أمام هذا الحب العجيب، وفهم أن زوجته كانت دائمة التردد على هذا الملجأ حتى أن الأطفال تعلقوا بها إلى هذه الدرجة وأنها أيضًا عندما كانت تحضر لهم الطعام والهدايا تخبرهم أنه هو الذي يرسلها إليهم ليتعلقوا به دون أن يرونه. شعر أنه أمام حب وبذل وتواضع لم يشهده من قبل، ورأى الفرح في عينيها وفي عيون كل الأطفال واشتاق أن يكون مثلهم.

بعد خروجه من الملجأ وعودته إلى بيته ركع أمامها وقال لها: “علميني كيف يكون الحب؟ أنا لم أعرفه طوال حياتي والآن أكتشف أعماقًا جديدة في الحب متجسدة أمامي”. وقال أيضًا: “كيف كنت غبيًا طوال العشر سنوات الماضية ولم أكتشف عظمتك وحبك العجيب، الذي كان يرسم ابتسامة وفرح لم أكن أفهمه”.

وفي هدوء بدأت الزوجة تحدث زوجها عن الله مصدر حبها وحنانها وفرحها واحتمالها لكل الإساءات. بدأت تحدثه عن المسيح الفادي، الذي احتمل كل الآلام برضا وفرح ليتمم خلاصنا، أما هو فكان كالتلميذ الصغير منصتًا باهتمام وقلبه ينفتح، ليتعلم من جديد كيف تكون الحياة مع الله. وبدأت العداوة تزول بعد أن أوضحت له زوجته أفكار الشيطان الغريبة التي تدعونا للتذمر وتقلب الحقائق وتصور لنا الله الحنون كأنه قاسٍ أو غير ملتفت إلينا.

بدأ الزوج يقترب من الكنيسة ويرتبط بالأسرار المقدسة، بل بدأ يشارك زوجته في خدمة الملجأ، حتى أنه من كثرة بذله واهتمامه أختير عضوًا في مجلس إدارة الملجأ. وبدأت معاملاته مع أخواته وأزواجهن ومع كل الناس تتغير، وأخيرًا رأوا مسحة الحب تلاشي القسوة، والابتسامة والفرح يزيلان الحزن والضيق والغضب، بل استطاع أن يكسب زبائنه ليربطهم بالله وبعمل الخير بكل صورة.

كتاب: فرح مجدد ومجيد.

اية للحفظ

إِنْ كَانَ مُمْكِناً فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ (رو12: 18)